الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
115
نفحات القرآن
في الآية التاسعة التي نزلت - مع مجموعة من الآيات في السنة التاسعة للهجرة - بصفتها إعلاناً عامّاً ، نلاحظ إشارة إلى نقطة أخرى امر أمير المؤمنين عليه السلام بتلاوتها على الناس في مواسم الحجّ : « وَاذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكبرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » « 1 » . والتعبير بالبراءة من قبل اللَّه ورسوله من المشركين بوصفه إعلاناً عامّاً في أكثر أيّام الحجّ حساسية دليل على النفور من المشركين وبيان لضخامة معصية الشرك بأجلى صوره . ونلاحظ في الآية العاشرة تعبيراً جديداً ، حيث اعتبرت المشرك والمشركة في عرض الزاني وقال : « الزَّانِى لَايَنْكِحُ إِلَّا زَانِيةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَايَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ . . . » . وهذا التعبير سواء كان لبيان حكم شرعي وإلهي وهو حرمة الزواج من أهل الزنا والشرك أو كان إشارة إلى واقع خارجي وهو أنّ القذر يتبع القذر دائماً ، والطيور على أمثالها تقع فهو شاهد بليغ على قبح معصية الشرك ، لأنّها اعتبرت المشركين كالملوّثين بالزنا والفاقدين للقيم الخُلُقية والسجايا الإنسانية . والحديث الوارد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « لا يزني الزاني حِينَ يزني وهوَ مؤمنٌ ولا يَسرقُ السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ فإنّه إذا فعلَ ذلك خُلِعَ عنهُ الإيمانُ كَخَلع القَميص » « 2 » ، وهناك شاهد آخر على العلاقة بين هذين ، وسيأتي شرحُهُ بإذن اللَّه .
--> ( 1 ) فسّر الكثير من المفسّرين ( يوم الحجّ الأكبر ) بعيد الأضحى وهو أهمّ أيّام الحجّ ، والروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأبناء السنّة تؤيّد هذا المعنى ، في حين فسّره بعضهم بيوم عرفة وبعضهم الآخر بمجموع أيّام الحجّ التي يطلق عليها ( الحجّ الأكبر ) وتقابل العمرة وهي ( الحجّ الأصغر ) ، وقد خصّصها آخرون بسنة نزول الآية حيث شارك المسلمون والمشركون في مراسم الحجّ في تلك السنة ، وواضح أنّ التفسير الأوّل هو الأرجح من هذه الاحتمالات الأربعة . ( 2 ) تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 571 ، ح 20 .